الجاحظ

172

الحيوان

وأشباه العوامّ أن يكون شيء من الخلق كان من غير ذكر وأنثى . وهذا جهل بشأن العالم ، وبأقسام الحيوان . وهم يظنّون أنّ على الدّين من الإقرار بهذا القول مضرّة . وليس الأمر كما قالوا . وكلّ قول يكذّبه العيان فهو أفحش خطأ ، وأسخف مذهبا ، وأدلّ على معاندة شديدة أو غفلة مفرطة . وإن ذهب الذّاهب إلى أن يقيس ذلك على مجاز ظاهر الرّأي ، دون القطع على غيب حقائق العلل ، فأجراه في كلّ شيء - قال قولا يدفعه العيان أيضا ، مع إنكار الدّين له . وقد علمنا أنّ الإنسان يأكل الطّعام ويشرب الشّراب ، وليس فيهما حيّة ولا دودة ، فيخلق منها في جوفه ألوان من الحيّات ، وأشكال من الدّيدان من غير ذكر ولا أنثى . ولكن لا بدّ لذلك الولاد واللّقاح من أن يكون عن تناكح طباع ، وملاقاة أشياء تشبه بطباعها الأرحام وأشياء تشبه في طبائعها ملقّحات الأرحام . 808 - [ استطراد لغوي بشواهد من الشعر ] وقد قال الشاعر : [ من الكامل ] فاستنكح اللّيل البهيم فألقحت * عن هيجه واستنتجت أحلاما وقال الآخر : [ من مجزوء الكامل ] وإذا الأمور تناكحت * فالجود أكرمها نتاجا وقال ذو الرّمّة : [ من الطويل ] وإنّي لمدلاج إذا ما تناكحت * مع اللّيل أحلام الهدان المثقّل [ 1 ] وقال عليّ بن معاذ : [ من السريع ] للبدر طفل في حضان الهوا * مستزلق من رحم الشّمس [ 2 ] وقال دكين الرّاجز [ 3 ] ، أو أبو محمد الفقعسيّ : [ من الرجز ] وقد تعللت ذميل العنس * بالسّوط في ديمومة كالتّرس إذا عرّج اللّيل بروج الشّمس

--> [ 1 ] الهدان : الأحمق الثقيل « القاموس : هدن » . [ 2 ] أزلقت الفرس : ألقت ولدها تاما « القاموس : زلق » . [ 3 ] تقدم الرجز في الفقرة ( 577 ) صفحة 37 .